الشيخ البهائي العاملي
152
الإثنا عشريات الخمس
اللهمّ اجعل قلبي بارّا وعيشي قارّا « 1 » ورزقي دارّا « 2 » واجعل لي عند قبر رسولك
--> ( 1 ) - أي : مطيعا محسنا وعيشي قارّا فيه تفسيرات ثلاث : الأوّل : أن يكون المراد عيشا قارّا أي : غير محتاج إلى السفر والتردّد في تحصيله ، الثاني : أن يراد بالقارّ المستمرّ غير المنقطع ، الثالث : أن يراد عيشا قارّا لعين أن يكون فيه قرة العين أي : الفرح والسرور وأصل قرة العين مأخوذ من القرّ وهو البرودة ، فإنّ العرب تزعم أنّ دمع الباكي من السرور بارد ، ودمع الباكي من الغمّ والهمّ حارّ فالدعاء مستند بقولهم : « اقرّ اللّه عينك » بمعنى : سرّك اللّه وأوجب ذلك الفرح ، « منه مدّ ظلّه العالي » . في العيش القارّ تفسيرات ثلاث : الأوّل : أن يكون مستقرا دائما متواليا غير منقطع ، والثاني : أن يكون غير محتاج في تحصيله إلى السفر العيش والإنتقال من بلد إلى بلد يكون واسعا مع القرار في مكانه وبلده ، الثالث : أن يراد بالعيش القارّ في السرور والابتهاج مأخوذة من قرة العين ، والقرّ : البرد ، والعرب تزعم أنّ الدمع الخارج من شدّة الفرح والسرور بارد ، وأنّ الخارج من الحزن حارّ ، وقولهم في الدعاء للشخص « قرّت عينك » كناية من طلب السرور والفرح له وقولهم : « هذا قرّة عيني » أي : موجب كمال فرحي وسروري ، « منه زيد عمره » . ( 2 ) - « الدارّ » بالتشديد : الكثير الذي يزيد ويتجدّد شيئا فشيئا من قولهم : « درّ اللبن » إذا زاد وكثر جريانه من الضرع ، والمستقر والقرار ، قيل : هما مترادفان والأولى أن يراد بالمستقرّ المكان والمنزل وبالقرار المكث فيه ، ونقل عن شيخنا « الشهيد » - قدّس اللّه روحه - : « أن المستقر في الدنيا والقرار في الآخرة » واختصّ المستقرّ بالدنيا لقوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ 1 والقرار بالآخرة لقوله تعالى : وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ 2 ، واعترض عليه بأنّ القبر لا يكون في الآخرة ، وأجيب بأنّ المراد بالآخرة ليس ما بعد القيامة بل ما قبلها أعني أيّام الموت والمراد أن يكون مسكنة في الحياة ومدفنه بعد الممات في المدينة المقدّسة . وفي بعض الروايات : « واجعل لي عند رسولك » من دون ذكر القبر ، والظاهر أنّ كلام شيخنا « الشهيد » مبنى على ما في هذه الرواية فلا حاجة إلى ذلك الجواب ، « منه مدّ ظلّه العالي » . ( 1 ) البقرة : 36 ، والأعراف : 24 . ( 2 ) غافر : 39 .